السيد محمد باقر الصدر
484
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
تفسير القضية المتواترة والقضية المتواترة هي الصنف الثالث من القضايا اليقينية الأوّلية في رأي المنطق الأرسطي ، فتصديقنا بوجود الأشخاص أو الحوادث التي تواتر نقلها ، يعتبر - في المنطق الأرسطي - تصديقاً أوّلياً . ويعرِّف المنطق الأرسطي التواتر بأ نّه « إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب » . وكأنّ المنطق الأرسطي يفترض تصديقاً أوّلياً بامتناع اتفاق عدد كبير من الناس على الكذب ، وهذا التصديق هو الذي يشكّل الأساس لثقتنا اليقينية بتلك الحوادث ، وهو يشابه تماماً التصديق بأنّ الاتفاق لا يكون دائمياً ، الذي جعله المنطق الأرسطي أساساً للقضايا التجريبية والحدسية ، فكما لا يكون الاتفاق دائمياً كذلك لا يكون الكذب دائمياً . فإذا اطّرد الإخبار عن شيء معيّن من عدد كبير من المخبرين ، عرفنا أنّ القضية التي اتفقوا على الإخبار عنها صادقة . فلو اشترك عدد كبير من الناس في احتفال ، وبعد انتهائه سألنا كلّ واحد منهم عن الشخص الذي حاضَرَ في ذلك الاحتفال ، فجاءت الأجوبة كلّها تؤكّد أنّ فلاناً هو الذي ألقى محاضرة في ذلك الحفل ، كانت هذه القضية متواترة ويقينية الصدق في رأي المنطق الأرسطي ؛ لأنّ الكذب لا يكون دائمياً . وموقفنا من التصديق بأنّ الكذب لا يكون دائمياً - أو التصديق بامتناع اتفاق عدد كبير من الناس على الكذب - هو موقفنا من التصديق بأنّ الاتفاق ( الصدفة النسبية ) لا يكون دائمياً ، فهو في الحقيقة تصديق استقرائي وليس تصديقاً عقلياً أوّلياً . ويكفي لنفي كونه تصديقاً عقلياً أوّلياً نفس الحجج والمناقشات التي أثرناها في القسم الأوّل من هذا الكتاب ضدّ الطابع العقلي القبلي